ابن عجيبة
416
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
روى أن معتّب بن قشير ، المنافق ، حين رأى الأحزاب قال : إن محمدا يعدنا فتح فارس والروم ، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز ، خوفا ، ما هذا إلا وعد غرور . ه . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ ؛ من المنافقين ، وهم عبد اللّه بن أبىّ وأصحابه : يا أَهْلَ يَثْرِبَ ، وهم أهل المدينة ، لا مُقامَ لَكُمْ « 1 » أي : لا قرار لكم هنا ، ولامكان تقيمون فيه - وقرأ حفص : بضم الميم - اسم مكان ، أو مصدر ، فَارْجِعُوا من عسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ؛ هاربين ، أو : إلى الكفر ، فيمكنكم المقام بها ، أو : لا مقام لكم على دين محمد ، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا ، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ أي : بنو حارثة ، يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ : ذات عورة ، أي : خالية غير حصينة ، وهي مما يلي العدو . وأصلها : الخلل . وقرأ ابن عباس ؛ بكسر الواو : ( عورة ) ، يعنى : قصيرة الجدران ، فيها خلل . تقول العرب : دار فلان عورة ؛ إذا لم تكن حصينة ، وعور المكان : إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق ، ويجوز أن يكون عورة : تخفيف عورة . اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق ؛ لأنها غير محصنة ، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه ، فأكذبهم اللّه تعالى بقوله : وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ، بل هي حصينة ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً من القتل . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مدينتهم ، أو : بيوتهم . من قولك : دخلت على فلان داره . مِنْ أَقْطارِها ؛ من جوانبها ، أي : ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون ؛ خوفا منها - مدينتهم ، أو بيوتهم ، من نواحيها كلها ؛ ناهبين سارقين ، ثُمَّ سُئِلُوا ؛ عند ذلك الفزع ، الْفِتْنَةَ أي : الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين ، أو : القتال في العصبية ، وهو أحسن ؛ لأنهم مسلمون ، لَآتَوْها « 2 » ؛ لجاءوها وفعلوا . ومن قرأ بالمد فمعناه : لأعطوها من أنفسهم ، وَما تَلَبَّثُوا بِها ؛ بإجابتها وإعطائها ، أي : ما احتبسوا عنها إِلَّا يَسِيراً ، أو : ما لبثوا بالمدينة ، بعد ارتدادهم ، إلا زمانا يسيرا ، ثم يهلكهم اللّه ؛ لأن المدينة كالكير ؛ تنفى خبثها ، وينصع طيبها ، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ؛ ليفروا عن نصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رعبا ، وهؤلاء الأحزاب كما هم ؛ لو سألوهم أن يقاتلوا ؛ فتنة وعصبية ؛ لأجابوهم ، وما تعللوا بشئ ، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم ، والعياذ باللّه . الإشارة : وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء : لا مقام تقفون معه ؛ إذ قد قطعتم المقامات ، حين تحققتم بمقام الفناء ، فارجعوا إلى البقاء ؛ لتقوموا بآداب العبودية ، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها ، كما
--> ( 1 ) أثبت المفسر - رحمة اللّه - قراءة ( مقام ) بفتح الميم ، وهي قراءة الجمهور . وقرأ حفص ( مقام ) بضم الميم . انظر : الحجة للفارسي ( 5 / 471 ) . ( 2 ) قرأ نافع وابن كثير : ( لأتوها ) بالقصر ، وقرأ الباقون : بالمد . . انظر : الإتحاف ( 2 / 372 ) .